عرض مشاركة واحدة
قديم 24-03-2012, 19:18   #5
معلومات العضو
أم إبراهيم40
عضو مميز
إحصائيات العضو






2

أم إبراهيم40 غير متصل

الترشيح

عدد النقاط : 1
أم إبراهيم40 يستحق التمييز

 


بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سلسلة دليل الآباء في تربية الأبناء ج3


الحلقة الثالثة من سلسلة دليل الآباء في تربية الأبناء ووتتناول مَعْلمَين من معالم المنهج النبوي في تربية الأبناء، وهما المحاسبة المعتدلة ومنحهم الثقة بالنفس...


المعلم الخامس ـ المحاسبة المعتدلة:

الناس في مسألة المحاسبة طرفان ووسط، منهم من يدلل الأبناء ولا يحاسبهم وهذا تفريط مذموم، ومنهم من ديدنه المحاسبة على كل صغير وكبير، وهذا أيضًا إفراط مذموم في المحاسبة، والتوسط هو المنهج النبوي في هذه القضية وكل القضايا، وكان -صلى الله عليه وسلم- يحاسب الناشئة على أخطائهم باعتدال دون إفراط أو تفريط، ومع هذا لم تكن درجة المحاسبة واحدة، بل تختلف باختلاف درجة الخطأ وخطورته، وهل صاحبه مصرٌّ عليه أم تائب منه؟ وهل كان جاهلًا أو متعمدًا؟ إلى غير ذلك مما كان يراعيه -صلى الله عليه وسلم- في تربيته للناشئة، فمن ذلك محاسبته لمعاذ بن جبل وكان شابًا ناشئًا يصلي بقومه فيطيل الصلاة بهم، فقال له: ( أفتَّانٌ أنت يا معاذ)وهنا لم يسكت عن خطئه، ولم يحمله أكثر مما يحتمل.

بل لقد كان أحيانًا يكتفي بالسكوت وإظهار الغضب على وجهه، ومن ذلك ما روته عائشة - رضي الله عنها -: ( أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام على الباب فلم يدخل، قالت: فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول أتوب إلى الله وإلى رسوله، فماذا أذنبت؟ فقال: ما بال هذه النمرقة... ) الحديث.

وفي المقابل اشتدت محاسبة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأسامة بن زيد وقد شفع يومًا في حد من حدود الله، حين وسطه بعض الناس ليطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- عدم قطع يد المرأة المخزومية التي سرقت، فغضب عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: (أتشفع في حد من حدود الله ).

المعلم السادس - منحهم الثقة بالنفس:

فإذا شكونا ضعف ثقة الأطفال بأنفسهم، أو عقدنا مقارنة بين ثقة أطفال الغرب بأنفسهم وقدرتهم على التعبير عما يشعرون به، وبين فقدان كثير من أطفالنا لهذه الميزة المهمة، فعلينا أن نذهب إلى مدرسة التربية النبوية، والتي تعالج هذا المرض عمليًّا؛ لنتعلم منها ونطبق.

إن ثقة طفلي وطفلك في نفسه تنبع من احترامه لذاته وشعوره بقيمتها وأهميتها، ولكن كيف سيشعر بذلك ونحن نقابله في كثير من الأحيان بعدم أهميته أو قلة احترامه والتقليل من شأنه؟!

هل نحن نسمح لأطفالنا بالتعبير عن ذواتهم؟ ونتيح الفرصة لهم في الاختيار فيما يخصهم، ونستأذن منهم في التدخل في أمورهم أو أخذ بعض أغراضهم؟ أم أن القمع والاحتقار ومصادرة الخيار وعدم الاعتبار لإذنهم ـ في شؤونهم الخاصة ـ هو السائد عند أكثرنا؟! عبر ما أسماه بعض الباحثين (ثقافة التسكيت) لقد قُدِّم للنبي -صلى الله عليه وسلم- قدح من لبن فشرب منه، وكان على يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام:(أتأذن لي أن أعطيه من على يساري؟ فقال الغلام: لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فتّله -صلى الله عليه وسلم- في يمينه ).

نرى في هذه القصة أربع إشارات تربوية في تنمية احترام الأطفال لذواتهم وإشعارهم بأهميتهم:


كيف يصل غلام صغير للجلوس بجوار النبي -صلى الله عليه وسلم- بل كان على يمينه مباشرة وهو أفضل القوم وفيهم الأشياخ؟

أي ثقة بالنفس تنمو حين يستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غلامًا صغيرًا في التنازل عن حقه في الشرب بعده، وهي قضية ليست كبيرة وأساسية؟

كيف وصلت الثقة في نفوس الأطفال في مدرسة النبوة إلى القدرة على رفض طلب صادر من النبي -صلى الله عليه وسلم- بثبات مع القدرة على التعليل المقبول؟

الفعل أبلغ من القول في التربية، ولذا قال الراوي (فتله في يمينه) أي ناوله القدح؛ ليشعره باقتناعه بحجته واحترامه له.

ولم يقتصر الأمر في مدرسة النبوة على إشعار الناشئة بالأهمية والاحترام، بل كانت ثقتهم بأنفسهم تُنمّى من خلال التجارب العملية عبر توليتهم المسؤوليات المناسبة لقدراتهم، وهذا هو معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ يصلي بالناس وهو ناشئ صغير؛ لأن هذا العمل مناسب لقدراته، وهذا أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ يقود الجيش الذي فيه كبار الصحابة وهو لم يتجاوز سبع عشرة سنة، لماذا؟ لتنمو ثقته في نفسه ويستفيد منه المجتمع بعد ذلك، وقبلهما علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ينام في فراش النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة الهجرة، وهي مسؤولية جسيمة تتطلب الشجاعة والتضحية، وهكذا... وأما اليوم فحال أكثرنا مع أطفالهم عدم الثقة بهم وبقدراتهم، وعدم الاعتماد عليهم وتوليتهم حتى أصغر المسؤوليات.