عرض مشاركة واحدة
قديم 14-12-2013, 20:32   #35
معلومات العضو
أم إبراهيم40
عضو مميز
إحصائيات العضو






2

أم إبراهيم40 غير متصل

الترشيح

عدد النقاط : 1
أم إبراهيم40 يستحق التمييز

 





تابع لـــــــــــــــــ ( الحلقة 26)




ثم قال:

يا بني، مَن عَتَبَ على الزمان، وتتبَّع عثرات الإخوان؛ قَطَعَهُ صديقُه، ومَلَّه رفيقُه، واحتماه الأهلون[19]، وظَفِرَ به الشامتون. ومَن سار في البلاد ثَمَّر المراد. وطالِبُ الكَفاف - بالقناعة والعفاف -: يعيشُ حميدًا، ويموت فقيدًا. وقد قال النابغة [20]:
إذا المرءُ لم يَطْلُبْ معاشًا لنفسه
شَكَا الفقرَ، أَوْ لَامَ الصديقَ فأَكْثَرا
وصار على الأَدْنَيْنَ كَلًّا، وأوشكَتْ
صِلَاتُ ذوي القُرْبى له أن تَنَكَّرا
فَسِرْ في بلاد الله والتمِسِ الغِنَى
تَعِشْ ذا يسارٍ أو تموتَ فَتُعْذَرا
وما طَالِبُ الحاجاتِ في كلِّ وُجْهَةٍ
مِنَ الناس، إلا مَن أَجَدَّ وشَمَّرا
ولا تَرْضَ من عَيْشٍ بِدُونٍ، ولا تَنَمْ
وكيف ينامُ الليلَ مَن بات مُعْسِرا؟!



ثم قال:

وليكن إخوانُك وأهلُ بطانتك أُولِي الدِّين والعفاف والمُرُوءَاتِ والأخلاقِ الجميلة؛ فإني رأيت إخوانَ المرءِ يدَه التي يَبْطُِشُ بها، ولسانَه الذي يصول به، وجَنَاحَه الذي ينهض به. فاصْحَبْ هؤلاء تجدْهم إخوانًا، وعلى الخير أعوانًا. واجتنبِ الصِّغَارَ الأخطارِ، اللئامَ الأقدارِ، الذين لا يُحَامُون على حسَب، ولا يرجعون إلى نَسَب، ولا يصبرون على نائبة، ولا ينظرون في عاقبة؛ فإنهم إنْ رَأَوْك في رخاء سألوك، وإن رأوك في شدة أَسْلَمُوك؛ ولعلهم أن يكونوا عليك مع بعض الأعداء.


واعلم بأن الرجل بلا خَدِين، كذي الشمال بلا يمين.


واخْلِطْ نفسَك مع الأبرار، وطَهِّرْها منَ الفُجَّار، فالمرءُ يُعْرَفُ بقرينه. وقد قال الشاعر[21]:
وقارِنْ - إذا قارنْتَ - حُرًّا؛ فإنما
يَزِينُ ويُزْرِي بالفتى قُرَنَاؤُهُ
ولن يهلك الإنسانُ إلا إذا أتى
منَ الأمر ما لم يَرْضَهُ نُصَحَاؤُهُ
إذا قَلَّ ماءُ الوجه قَلَّ حياؤُهُ
ولا خَيْرَ في وجهٍ إذا قَلَّ ماؤُهُ



ثم قال:

يا بني، قد جمعتُ لك مصالحَ نفْسِك، فاسْتَفْتِحِ اللهَ بمسامعِ عقلِك؛ وتَفَهَّمْ ما وصفْتُ لك بالتجارِب، تَحُزْ صلاحَ العواقب.


واعلم أن مَن حاسب نفسَه تَوَرَّع، ومَن غَفَل عنها خَسِر، ومَن نَظَر في العواقب نجا، ومَنِ اعتبرَ أَبْصَر، ومَن فَهِمَ عَلِمَ؛ وفي التواني تكون الهَلَكَة، وفي التأنِّي السلامة[22].


وَزَارِعُ البِرِّ يَحْصُِدُ السرور.


والقليل مع القناعة في القصد، خيرٌ منَ الكثير مع السَّرَف في المذلة.


والتقوى نجاةٌ، والطاعة مُلْكٌ.


وحليفُ الصدقِ مُوَفَّقٌ، وصاحبُ الكذب مخذولٌ.


وصديقُ الجاهلِ تَعِبٌ، ونَدِيمُ العاقلِ مُغْتَبِطٌ.


فإذا جَهِلْتَ فَسَلْ، وإذا نَدِمْتَ فأَقْلِعْ، وإذا غَضِبْتَ فأَمْسِكْ.


ومَن لاقاك بالبِشْر فقد أَدَّى إليك الصنيعة، ومن أَقْرَضَك الثناءَ فاقْضِهِ الفضلَ.


وَضَعْ - يا بني - الصنائعَ عند الكرام ذوي الأحساب، ولا تَضَعَنَّ معروفك عند اللئام فتضيعَه[23]؛ فإن الكريم يَشكرك ويَرْصُدُك بالمكافأة، وإن اللئيم يَحْسِبُ ذلك حتمًا، ويَؤول أمرُك معه إلى المذلة. وقد قال الشاعر:
إذا أوليتَ معروفًا لئيمًا
فعَدَّك قد قتلْتَ له قتيلا
فَعُدْ من ذاك مُعْتَذِرًا إليه
وقل: «إني أتيتُك مُسْتَقيلا
فإنْ تَغْفِرْ فَمُجْتَرَمٌ عظيمٌ
وإنْ عاقبتَ لم تظلم فَتِيلا»
وإنْ أَوْلَيْتَ ذلك ذا وفاءٍ
فقد أودعتَه شُكرًا طويلا



[رواها أبو عليٍّ القاليُّ في "الأمالي" (2/202-204). وأوردها أسامة بن منقذ في "لباب الآداب" (22-28) بزيادة كما سلف عليك. والوصية بعضها في "أدب الدنيا والدين"، و"التذكرة الحمدونية"، و"ربيع الأبرار"، وغيرها].







[1] فائدة: قال الإمام الجوهري - رحمه الله - في "الصحاح": (( تقول: إياك وأن تفعل كذا، ولا تقل: إياك أن تفعل، بلا واو )). انتهى.

[2] هذه الجملة ليست في "الأمالي"، إنما هي من زوائد أسامةَ في "اللباب".

[3] في "اللباب": (( أخو بني الدُّئِل)).

[4] انظر "الأمالي" (2/177.

[5] التِّلاد: المال الموروث. و: (سالني: مخففة من): (سألني. قاله الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله -).

[6] النث: إفشاء السر ونشره.

[7] في "اللباب": (( فإن الكريم محتال، واللئيم مغتال)).

[8] أي: مقابلتها.

[9] هذا القول نسبه الإمام النوويُّ في "شرح صحيح مسلم" (14/147) إلى الإمام الشافعي.

[10] قال أبو عليٍّ القالي: ((ما أَلَوْت: ما قصَّرت، وما ألوت: ما استطعت)).

[11] قال أبو عليٍّ: ((ويُروى: سمعت بغَيْبِهِ بالمعجمة)).

[12] هذه الفقرة من الوصية أوردها أبو الطيب الوشاء في "الموشى" (ص22 وصدرها بقوله: ((رُوي أن رجلاً من عبد القيس قال لابنه:...)).

[13] قال أبو عليٍّ: ((يقال: لبيبٌ بَيِّنُ اللبابة، وفي "اللباب": ((بذي الأمانة والتقى.)).

[14]. روى الإمام البخاري في آخر كتابه "الأدب المفرد" عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: (( لا يكن حبُّك كَلَفًا، ولا بُغضُك تلفًا.، فقال له زبد بن أسلم: كيف ذاك؟ قال: (( إذا أحببتَ كَلِفْتَ كَلَف الصبي، وإذا أبغضت أحببت لصاحبك التلف..

[15] يُروى هذا من قول رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وجاء أيضًا عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر "الجامع الصغير" للسيوطي، حديث رَقْم (223).

[16] من هنا إلى آخر الوصية تفرد بذكره الأمير أسامة عن "الأمالي".

[17] قال أبو الأشبال: هو أبو الأسود الدؤلي. والأبيات في "حماسة البحتري" (ص58).

[18] ( الجبس: الدنيء). و( الراضع: اللئيم). و( ملهب الشر: أي: شديده، كأن شره لهب). قاله الشيخ شاكر.

[19] أي: تَوَقَّوْه واجتنبُوه.

[20] قال أبو الأشبال: هذه الأبيات ذكر بعضها في "الأغاني"، ونسبت إلى أبي عطاء السندي. وفي "عيون الأخبار" (ج1ص243 ط/ دار الكتب المصرية)، ولم ينسبها لشاعر معين. والبيت الرابع ليس في "الأغاني"، وهو بمعناه في "حماسة البحتري" وحده (ص125)، ونسبه لأبي عطاء السندي أيضًا.

[21] قال الشيخ أحمد شاكر: (( حقق أخي السيد محمود محمد شاكر أن هذه الأبيات لصالح بن عبد القدوس)). وله ترجمة مطولة في "تاريخ بغداد" للخطيب، وفي "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر.. وانظر - أيضًا - حاشية (ص28) من "اللباب" لأسامة.

[22] في الحديث الذي خرّجه أبو داود (4810)، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "الشعب" وفي "الزهد الكبير"، عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - مرفوعًا: (( إِنَّ التُّؤَدَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ..)) ورواه البيهقي من قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

[23] قال أبو الطيب، وهو من لمع شعره:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتَه
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعُلا
مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع النَّدى

وفي بعض الشعر الفرنسي أو التركي الذي ترجمه أحمد شوقي:
إنْ كنتَ ذا فضلٍ فكُـ
ـنْهُ على ذكيٍّ أو كريم

فالفضلُ يَنساهُ الغـ
ـبيُّ وليس يحفظه اللئيم

وقد روى أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ (6/390 = (6/367/رقم 9277 ط/ مكتبة الإيمان] قولَ سفيانَ الثوريِّ - رحمه الله -: ((وجدنا أصلَ كلِّ عداوةٍ اصطناعَ المعروف إلى اللئام)).